الشيخ المنتظري
438
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
الغضبية ، وليست هي أيضاً أموراً تعبدية محضة ليؤتى بها بداعي القرب والتعبد المحض . بل الملاك في تشريعها قلع جذور الفساد وإِصلاح الفرد والمجتمع . ويظهر هذا لكل من تتبع الكتاب والسنة . ألا ترى أنّ أهمّ العقوبات الشرعية وأشدّها هو قصاص النفس ، وهو على ما نراه إِعدام وإِفناء للشخص ، ولكن اللّه - تعالى - جعله حياة للناس فقال : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب . " ( 1 ) بل جميع أحكام اللّه - تعالى - في جميع شؤون الإنسان تابعة للمصالح والمفاسد النفس الأمرية وإِن لم نعرفها وليست تكاليف جزافية بلا ملاك : ففي العلل ، عن الرضا ( عليه السلام ) في جواب كتاب محمد بن سنان إِليه : " جاءني كتابك ; تذكر أنّ بعض أهل القبلة يزعم أن اللّه - تبارك وتعالى - لم يحلّ شيئاً ولم يحرّمه لعلّة أكثر من التعبد لعباده بذلك ! قد ضلّ من قال ذلك ضلالا بعيداً وخسر خسراناً مبيناً ، لأنه لو كان ذلك لكان جائزاً أن يستعبدهم بتحليل ما حرّم وتحريم ما أحلّ ، حتى يستعبدهم بترك الصلاة والصيام وأعمال البرّ كلها ، والإنكار له ولرسوله وكتبه والجحود ، ( و - ظ . ) بالزنا والسرقة وتحريم ذوات المحارم وما أشبه ذلك من الأمور التي فيها فساد التدبير وفناء الخلق . . . إِنا وجدنا كلّ ما أحلّ اللّه ففيه صلاح العباد وبقاؤهم ولهم إِليه الحاجة التي لا يستغنون عنها ، ووجدنا المحرم من الأشياء لا حاجة بالعباد إِليه ووجدناه مفسداً داعياً إِلى الفناء والهلاك . " ( 2 ) والأخبار في هذا المجال كثيرة تظهر لمن تتبع . وعلى هذا فيجب أن يلحظ في السجون الشرعية أن لا تكون خاضعة لأهواء الحُكّام والضُبّاط والمراقبين ، بل تنظّم على نحو تصير موانع قبل الفعل ، وزواجر بعده . يعني أنّ العلم بشرعيتها يمنع من الإقدام على العمل ، وتنفيذها بعد وقوعه يوجب تنبّه المرتكب وارتداعه عن العود اليه ويصلحه ويقوّمه . وبهذا الملاك أيضاً يقع التشديد والتخفيف فيها أيضاً .
--> 1 - سورة البقرة ( 2 ) ، الآية 179 . 2 - علل الشرائع / 197 ( = طبعة أخرى / 592 - الجزء 2 ) ، الباب 385 ( باب نوادر العلل ) ، الحديث 43 .